إعداد: علاء عبدالعزيز أبونبعه CPA, CIA, CRMA, CICP, MACC رئيس التدقيق والتميز المؤسسي في مجموعة شركات إيفا للاستشارات المالية الدولية – الكويت

Alaa

بعد أن بدأت العمل في مهنة التدقيق الداخلي أدركت مدى صعوبة هذه المهنة (‏‎”‎مهنة ‏المتاعب‎”‎‏ كما سماها الدكتور جمال محمد شحات)، كما وأدركت كِبَر المقاومة من ‏أغلب الإدارات التي يتم التدقيق عليها ‏وعدم تقبلهم في الكثير من الأحيان لملاحظات وتوصيات إدارة ‏التدقيق الداخلي رغم أنها تسعى إلى تحسين العمل. يعود ذلك لعدة أسباب، والتي ‏منها المرتبط ببيئة العمل وثقافة المنظمة، أو المرتبط بطبيعة عميل التدقيق ‏نفسه، ومنها المرتبط بالمدقق نفسه، على رأس تلك الأسباب عدم استقلالية ‏إدارة التدقيق الداخلي وضعف الانتاجية. ومما لا شك فيه أن المنظمات (العامة والخاصة وغير الهادفة للربح) أصبحت تحتاج إلى عمليات تدقيق واسعة النطاق، تتجاوز مراجعة الأمور البديهية، وفي أغلب الأحيان دون توفّر موارد إضافية لإدارات التدقيق الداخلي. مع مرور الوقت أصبحت أتفهم معظم تلك الأسباب وأعمل ‏جاهداً لتقليل مسبباتها وآثارها.

بالرغم من هذه الصعوبات؛ فقد أكدت معايير التدقيق الداخلي وباقي مكونات “الإطار الدولي للممارسات المهنية” الإلزامية وغير الإلزامية، الصادرة عن معهد المدققين الداخليين على ضرورة محافظة المدققين الداخليين على موضوعيتهم والعمل بكفاءة. والمقصود بالكفاءة ‏‎(Efficiency)‎‏ في مهنة التدقيق الداخلي، والتي هي في الأصل إصطلاح إداري، مدى القدرة على ترشيد استخدام الموارد المتوفرة أو الطاقة التي يمتلكها ‏المدقق لتحقيق الأهداف. في هذه المقال سوف أتطرّق إلى مجموعة من التوصيات التي تساعد في تحقيق الكفاءة المتوقعة من إدارة التدقيق الداخلي عن طريق استخدام أقل كم ‏ممكن من الموارد والمدخلات لإنتاج أكبر كمّ ممكن من المخرجات والنتائج المرغوبة.

نصائح لرفع الكفاءة

بعيداً عن الاستثمار في أنظمة إدارة التدقيق (Audit Management Systems)، وأدوات استخراج البيانات وتحليلها والتي أعتقد أن العائد على الاستثمار فيها مجزي جداً؛ أوصي بما يلي، وهي أمور لا تحتاج إلى الكثير من الموارد:

أولاً – داخل إدارة التدقيق الداخلي:

  • تنمية مهارات المدققين الداخليين في ترتيب الأولويات وإدارة الوقت.
  • تبني أفضل حلول “الأرشفة وإدارة سجلات الإدارة إلكترونياً”، حيث أنها تزيد من سرعة التخزين واسترجاع المعلومات والمستندات وتقلل من مخاطر تخزينها وأرشفتها يدوياً وتمكن من الاحتفاظ بإصدارات متعددة منها. وفي هذا السياق يجب أن يحرص مدير الإدارة على تنمية مهارات المدققين في مجال التوثيق والفهرسة، وفي التعامل مع تطبيقات الحاسبات الآلية واستخداماتها في مجال حفظ واسترجاع وإدارة وتداول الوثائق والمستندات.
  • تبنّي سياسة المكتب النظيف (Clean Desk Policy)، فمن واقع تجربتي الشخصية يمكنني القول أن هناك علاقة إيجابية بين المكتب المرتب والإنتاجية تحت شرط وهو رغبة الشخص في إنجاز أعماله.

ثانياً – خلال تخطيط مهام التدقيق:

يظن البعض أن أهم خطوه في عمليات التدقيق الداخلي هي التنفيذ، إلا أن التجارب والأبحاث أظهرت خلاف ذلك نظراً لوجود عمليّة طويلة وصعبة تسبق الوصول إلى عمليّة تنفيذ أعمال التدقيق. إن أهم خطوة  في عمليات التدقيق هي عمليّة التخطيط. الكثير من الدراسات وقادة الإدارة أشاروا إلى أن كل ساعة نقضيها في التخطيط توفر لنا أربع ساعات عند التنفيذ. فالتخطيط ليس مضيعة للوقت، لذلك فإن عملية التدقيق الداخلي تعتمد بشدّة على التخطيط السليم بِدأً من التحديد السليم لمجتمع نشاط التدقيق‏ (كون التدقيق – Audit Universe) ومن ثم إعداد الخطة الاستراتيجية والسنوية لإدارة التدقيق الداخلي على أساس المخاطر (التهديدات والفرص)‏ وانتهاء بإعداد برامج التدقيق التفصيلية. من الأمور التي أوصي بها في هذا السياق:

  • بذل جهد أكبر في اختيار مهام التدقيق وبالذات الاستشارية منها، ومراعاة تجنب أبرز المخاطر المرتبطة بهذا النوع من المهام ، حيث إن الزيادة منها قد يؤثر سلباً على مستوى وحجم التأكيدات التي يحتاجها أصحاب المصلحة في المؤسسة (وفي نفس الوقت الامتناع عن تقديم الخدمات الاستشارية سيحرم المؤسسة من الاستفادة من جدارات فريق التدقيق الداخلي (المعارف العلمية والخبرات العملية والمهارات) والتي قد لا تكون متوفرة لدى أعضاء الإدارة التنفيذية وبقية الموظفين.
  • التنسيق مع الرقابة الخارجية (مثل مراقب الحسابات الخارجي) والإدارات الرقابية الداخلية الأخرى (إن وجدت) لتجنب حدوث ما يسمى بِـ ‏”إجهاد التأكيد” أو “إجهاد التدقيق” من قبل هذه الإدارات المعنية ، ويحدث ذلك عندما لا تنسّق أنشطة التأكيد (Assurance) المختلفة – المستقلة منها ‏وغير المستقلة (مثل إدارات التدقيق الداخلي والامتثال وإدارة المخاطر والأمن والسلامة والجودة وغيرها) ولا تتعاون فيما بينها بما فيه الكفاية، ما قد يؤدي إلى ازدواجية الجهود‏ وعدم ضمان توفير التغطية اللازمة والمتوقعة من هذه الإدارات ز‏ ولذلك ينبغي على مدير إدارة التدقيق الداخلي أن يتبادل المعلومات وينسّق النشاطات مع الجهات الخارجية والداخلية التي تقدم خدمات ‏التأكيد والخدمات الاستشارية، وذلك لضمان التغطية اللازمة للأعمال وتلافي ازدواجية الجهود، وقد أشار معيار التدقيق رقم 2050 إلى ضرورة قيام الرئيس التنفيذي للتدقيق بهذه الأمر كجزء من عملية إعداد خطة التدقيق الداخلي‏. إضافة إلى ذلك أشار الإرشاد التنفيذي لهذا المعيار إلى أحد السبل الكفيلة بتنسيق التغطية اللازمة لأعمال التأكيد وهي القيام بوضع خارطة تأكيد (Assurance Map) من خلال الربط بين فئات المخاطر الكبيرة التي تم تحديدها ومصادر التأكيد ذات الصلة، ومن ثم تقييم مستوى التأكيد المتوفر لكل فئة من فئات المخاطر، حيث أن شمولية هذه الخارطة كفيل بإظهار أوجه النقص وحالات الازدواج في تغطية أعمال التأكيد، مما يمكّن الرئيس التنفيذي للتدقيق من تقييم خدمات التأكيد في كل مجال من مجالات الخطر. وتتم مناقشة نتائج هذا التقييم مع مقدمي خدمات التأكيد الآخرين بحيث يتم التوصل إلى اتفاقية بين الأطراف حول كيفية تنسيق الأنشطة التي من شأنها تلافي ازدواجية الجهود وتحقيق الحد الأقصى من الكفاءة والفاعلية لضمان التغطية اللازمة للأعمال. وقد أشار نفس الإرشاد التنفيذي إلى طريقة أخرى لتنسيق التغطية اللازمة لعملية التأكيد وهي استخدام نموذج التأكيد المشترك (Combined Assurance Model)، حيث يقوم المدققون الداخليون بتنسيق جهود أعمال التأكيد مع الإدارات التي تقوم بوظائف خط الدفاع الثاني (وفقاً لِـ “نموذج خطوط الدفاع الثلاثة” الخاص بمعهد المدققين الداخليين)، مثل إدارة الامتثال، وذلك بغية التقليل من طبيعة وتكرار مهام التدقيق الداخلي.
  • حُسن صياغة أهداف مهام التدقيق والتي تساعد المدققين الداخليين بشكل كبير على تحديد الإجراءات التي يتعين القيام بها، وإعطاء الأولوية للإجراءات ذات المخاطر المرتفعة.
  • قبل تحديد المتطلبات المبدئية لمهمة التدقيق، يفضّل الاجتماع بالإدارة التي سيتم التدقيق عليها لمناقشة هذه المتطلبات وتوضيح صلتها بأهداف ونطاق المهمة في حال وجود إحساس بعدم اقتناع الإدارة بها، وللتعرف بشكل مبكّر على أي معوقات في توفيرها والعمل على التغلب عليها أو إيجاد البديل المناسب.

ثالثاً – خلال تنفيذ مهام التدقيق:

من الأمور التي أوصي بها خلال تنفيذ مهام التدقيق‏ (العمل الميداني):

  • ‏التركيز على الأهداف الأكثر أهمية والاستفادة من‏ العمل بمبدأ باريتو (80% من النتائج تتحقق بِـ 20% من الجهد).
  • تنمية مهارات المدققين الداخليين في استخدام الأنظمة الحاسوبية التي يستخدمها عملاء التدقيق، والاعتماد على أنفسهم في استخراج البيانات والتقارير التي يحتاجونها خلال العمل الميداني.
  • توزيع مهام التدقيق بحيث يكون لكل فريق تدقيق مهمتان في نفس الوقت (مهمة كبيرة وشاملة وأخرى صغيرة)، وتوزيع ساعات العمل بينهما، وذلك لاستغلال وقت المدققين الداخليين بأفضل وجه.
  • إسناد مهام التدقيق التي تستهلك الكثير من موارد الإدارة لطرف استشاري خارجي إذا تسنى ذلك، بعد عمل تحليل التكلفة والفائدة (Cost-benefit Analysis).
  • الطلب من فريق العمل تقديم كشف يومي بالمهام المنجزة، حيث أن هذا الأمر سيحسن الرقابة الذاتية لديهم. ‏
  • التفكير المتواصل بالقيمة المضافة من التقرير، وتبنّي مبدأ هام جداً وهو أن “عدد الملاحظات ليس مؤشراً للإنتاجية”، ‏ولذلك يفضل تجنب هدر الوقت والجهد في الملاحظات غير الهامة وخصوصا تلك التي يتم معالجتها خلال أعمال التدقيق. كما يستحسن أن يقوم مدير المهمة بالاطلاع أولاً بأول على ملاحظات فريق التدقيق واعتمادها أو إسقاطها، حيث أن ذلك يساعد ذلك في إتمام الأعمال بأكثر قدر ممكن من الكفاءة.

رابعاً – الإبلاغ عن نتائج مهام التدقيق:

من الأمور التي أوصي بها عند الإبلاغ عن نتائج مهام التدقيق‏:

  • تجميع كل الملاحظات غير الهامة تحت عنوان: “ملاحظات أخرى”. فبهذه الطريقة سيتم توفير الكثير من الوقت في صياغة ملاحظات مكتملة الأركان (والتي يُشار إليها في اللغة الإنجليزية بِـ 5Cs): المعيار (Criteria)، والحالة (Condition)، والسبب (Cause)، والأثر/النتيجة (Consequence)، والإجراء التصحيحي/التوصية (Corrective Action).
  • تنمية قدرات المدققين على فهم الأعمال والأنشطة التي يقومون بالتدقيق عليها وتنمية مهارات التحليل والوصول إلى استنتاجات منطقية وتنمية مهاراتهم في النقاش والاقناع خصوصا عند عدم اقتناع موظفي النشاط الخاضع للتدقيق بأهمية الملاحظات والتوصيات المتعلقة بها.
  • عدم تكرار ملاحظات الإدارات الرقابية الداخلية الأخرى والاكتفاء بالإشارة إليها في حال ظهورها مرة أخرى و/أو عدم معالجتها.

تتحقق الكفاءة – وبالتالي العمل بدون عناء – عندما يكون هناك تخطيط وتنظيم وإدارة للوقت والموارد ورقابة ومتابعة، فالإنتاجية ليست بكم الجهد وإنما بكفاءته.