إعداد: الدكتور أشرف جمال


يُعرِّف السيد أدريان كادبري الحوكمة المؤسسية بأنها “النظام الذي يتم به توجيه الشركات وضبطها”. حيث يحدد الهيكل السليم للحوكمة المؤسسية توزيع الحقوق والمسؤوليات بين الأطراف المختلفة داخل المؤسسة؛ بما في ذلك مجلس الإدارة والمديرون والمساهمون وأصحاب المصلحة. كما يحدد قواعد وإجراءات اتخاذ القرار داخل المؤسسة.

ولطالما كان وضع الضوابط الرقابية الصحيحة والتأكد من عملها هو قلب الحوكمة المؤسسية. وبناءاً عليه، عادةً ما تكون لدى المؤسسات أنظمةٌ متعددة المستويات للضوابط الرقابة. وعادةً ما يوجد أول مستوى داخل كل إدارة حيث تضمن إجراءات العمل وجود ضوابط رقابية بهدف تقليل مجال الأخطاء وسوء الإدارة. فيما يحصل الرئيس التنفيذي على تطمينات بأن ضوابط الرقابة الداخلية كافية وتعمل بشكلٍ جيد من خلال وظيفة التدقيق الداخلي. ولكن لأن المسؤولية النهائية عن الحوكمة في المؤسسة تقع على عاتق مجلس الإدارة، فإن تأسيس لجنة تدقيق فعَّالة يعد أداةً رئيسيةً يمتلكها المجلس للإشراف على ما إذا كانت المؤسسة تعمل بنظام حوكمةٍ جيد وأن الأرقام والمعلومات التي ترفع إلى المجلس والتي تُرسل إلى أصحاب المصلحة الآخرين دقيقةٌ وجديرةٌ بالثقة. وعلى الجانب الآخر، يتطلع مالكو الأسهم إلى التأكد من أن أموالهم ومصالحهم مصونة، وأن الأنظمة المتعددة داخل شركاتهم كافيةٌ وتعمل كما ينبغي. وبالتالي، يعينون مدققاً خارجياً يقيِّم تلك الأنظمة ويصدر توصيات أو تطمينات إلى المالكين.

ومع الأخذ في الاعتبار أن دور وظيفة التدقيق الداخلي دائمة التطور فيما يتعلق بدوره في الحوكمة، أجرى مجلس إعداد التقارير المالية بالمملكة المتحدة مراجعةً حديثةً للقانون الصادر عنه بشأن قانون الحوكمة المؤسسية في المملكة المتحدة، الذي بدأ تطبيقه في ١ أكتوبر ٢٠١٤، والذي ينص على أنه “ينبغي على مجلس الإدارة وضع ترتيبات رسمية وشفافة للنظر في كيفية تطبيق عمليات إعداد التقارير للمؤسسة وإدارة المخاطر ومبادئ الرقابة الداخلية مع الحفاظ على العلاقة المناسبة مع مدققي الشركة.”

وحسب تعريف١ معهد المدققين الداخليين فإن “التدقيق الداخلي هو نشاط مستقل وموضوعي، يقدم تأكيدات وخدمات استشارية بهدف إضافة قيمة للمؤسسة وتحسين عملياتها. ويساعد هذا النشاط في تحقيق أهداف المؤسسة من خلال اتباع أسلوب منهجي منظم لتقييم وتحسين فاعلية عمليات الحوكمة وإدارة المخاطر والرقابة.” ويشير هذا التعريف بوضوح إلى أن دور وظيفة التدقيق الداخلي يجب أن يحدد وأن يُنظر إليه بشكلٍ إيجابي وليس سلبياً. ويجب أن يذهب هذا الدور الإيجابي إلى ما هو أبعد من المفهوم التقليدي المتمثل في الرقابة على أصول الشركة وحمايتها والامتثال للقوانين وتطبيق سياسات الشركة. فدور التدقيق الداخلي يجب أن يركز أكثر على خلق القيمة للمؤسسة وتقييم واقتراح التحسينات على أنظمة الحوكمة المؤسسية للشركات. وعليه، سيكون مفهوم خلق القيمة جزءاً لا يتجزأ من التأكد من أن الشركة تحقق نجاحاً على المدى البعيد وأنها تضيف قيمةً للمجتمع بشكلٍ عام.

وتلعب وظيفة التدقيق الداخلي الفعالة دوراً أساسياً في مساعدة مجلس الإدارة على القيام بمسؤولياته المتعلقة بالحوكمة والرقابة. وعليه، يجب على مجلس الإدارة تأسيس نهج عام صحيح في الشركة وضمان تقديم الدعم للتدقيق الداخلي على كل المستويات داخل المؤسسة. وينبغي أن يتم تبليغ الجميع وتوعيتهم بأن التدقيق الداخلي يساعد مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية في حماية أصول المؤسسة وسمعتها واستدامتها. وبالتالي، يمتد دور التدقيق الداخلي ليشمل ما هو أبعد من الرقابة المالية، فيشمل التدقيق على المعلومات غير المالية وعلى الضوابط الرقابية المحيطة بإنتاج تلك المعلومات كذلك.

وإدراكاً للدور المهم الذي تلعبه وظيفة التدقيق الداخلي في نظام الحوكمة المؤسسية في أي مؤسسة، أصدر معهد المدققين الداخليين معياراً رقم ٢١١٠ حول “الحوكمة” ينص على أن “وظيفة التدقيق الداخلي الفعَّالة توفر تطميناً بأن هناك عمليات حوكمة مؤسسية مناسبة وإجراءات رقابة داخلية في مكانها المناسب. وينبغي أن يقوم نشاط التدقيق الداخلي بالتقييم وتقديم التوصيات المناسبة لتحسين عملية الحوكمة، بما يكفل تحقيق الأهداف التالية:

 تعزيز الأخلاقيات والقيم المناسبة داخل المؤسسة.

 تأكيد فعالية إدارة الأداء والمساءلة داخل المؤسسة.

 إبلاغ المعلومات حول المخاطر والرقابة للجهات المناسبة داخل المؤسسة.

 تنسيق الأنشطة وإيصال المعلومات بين مجلس الإدارة والمدققين الداخليين والخارجيين والإدارة بشكلٍ فعَّال.

يلعب التدقيق الداخلي دوراً محورياً في ضمان نجاح واستدامة أي مؤسسة

وقد أكدت العديد من القوانين الصادرة في مجال الحوكمة المؤسسية على فكرة أن وظيفة التدقيق الداخلي جزءٌ لا يتجزأ من نظام الحوكمة المؤسسية في أي مؤسسة. ويوصي تقرير كينغ الثالث في جنوب أفريقيا في مجال حوكمة الشركات (قانون كينج الثالث) بأن يتم إنشاء التدقيق الداخلي بشكل استراتيجي ليحقق أهدافه. كما يقترح التقرير أن يرفع التدقيق الداخلي التقارير وظيفياً إلى رئيس لجنة التدقيق. وحيث أن مسار رفع التقارير الوظيفية بالنسبة لوظيفة التدقيق الداخلي هو المصدر الأهم لاستقلاله وسلطاته. يوصي معهد المدققين الداخليين بأن يرفع الرئيس التنفيذي للتدقيق الداخلي التقارير الوظيفية إلى لجنة التدقيق أو مجلس الإدارة أو السلطة الحاكمه المناسبة. وينبغي أن يكون رؤساء أقسام التدقيق الداخلي في الشركات التابعة والفروع والأقسام مساوين في درجتهم الوظيفية لأعضاء الإدارة العليا المسؤولين عن أنشطة التدقيق. وتتزايد شعبية وجهة النظر هذه بين البنوك المركزية والجهات الرقابية المالية. ومن بين الدروس المستفادة من القطاع المصرفي في الأزمة المالية التي بدأت واستمرت في عام ٢٠٠٧ هي أن بعض الأشخاص “ذوي النزعة لتحمل المخاطر” لا يمكن أن يخضعوا لرقابة الرئيس التنفيذي أو الإدارة العليا؛ فيجب أن يرفعوا التقارير إلى مجلس الإدارة أو إحدى لجانه مباشرةً. ويتضمن هذا مدراء المخاطر والمدراء الماليين ومدراء التدقيق. وقد أشارت الانهيارات الحديثة في البنوك إلى أن مخاطر سيطرة الرئيس التنفيذي أو الإدارة العليا على تلك الوظائف كبيرةٌ جداً.

ويجب أن يكون التدقيق الداخلي – بمساعدة لجنة التدقيق وإشرافها- قادراً على وضع الأولويات الصحيحة. وعليه، يُنصح بأن يتبع التدقيق الداخلي منهجاً مبني على المخاطر ويركز على المجالات عالية المخاطر ومن ثم تغطية أدنى المستويات في السلم الوظيفي قدر الإمكان. كما تساعد لجنة التدقيق رئيس التدقيق الداخلي من خلال مناقشته في ملاءمة الموارد والمهارات المتاحة لمواجهة المخاطر التي تم تحديدها مع لجنة التدقيق. إن التأكد من أن التدقيق الداخلي لديه ما يكفي من الموارد والكوادر ليؤدي وظيفته على أكمل وجه هو دور مجلس الإدارة / لجنة التدقيق، مع الأخذ في الاعتبار أن فشل التدقيق الداخلي يعتبر فشلاً لمجلس الإدارة نفسه وقد يمثل مخاطر كبيرة للمؤسسة.

ينبغي على التدقيق الداخلي – على الأقل سنويا- أن يقييم بشكل عام فعالية أُطر عمل الحوكمة والمخاطر والرقابة للمؤسسة مع تحليل للمواضيع والتوجهات المنبثقة عن عمل التدقيق الداخلي وآثارها في سجل مخاطر المؤسسة ومن ثم يتم تقديم تقرير شامل إلى لجنة التدقيق ومجلس الإدارة مصحوباً بالنتائج والتوصيات وكذلك التحديات التي قد تتطلب تدخل مجلس الإدارة لمعالجتها.

ينبغي على التدقيق الداخلي أن يجري كل سنةٍ على الأقل تقييماً عاماً لفاعلية أُطر عمل الحوكمة والمخاطر والرقابة للمؤسسة.

وقد أصدر معهد المدققين الداخليين معياراً رقم ٢٠٦٠ بشأن رفع تقارير المدققين الداخليين إلى الإدارة العليا وإلى مجلس الإدارة، وينص المعيار على أنه “يجب أن يرفع الرئيس التنفيذي للتدقيق الداخلي تقارير دوريةً إلى الإدارة العليا ومجلس الإدارة حول أهداف التدقيق الداخلي وسلطاته ومسؤولياته وأدائه وفقاً للخطة الموضوعة له. كما يجب أن تتضمن التقارير على المخاطر ذات الأهمية التي قد تتعرض لها المؤسسة وقضايا الرقابة، بما في ذلك مخاطر الاحتيال، والقضايا المتعلقة بالحوكمة, وأي مواضيع أخرى تكون استجابة لحاجات أو بطلب من الإدارة العليا والمجلس.”

ونظراً لدور لجنة التدقيق المهم، ينصح بأن تكون العلاقة بين الرئيس التنفيذي للتدقيق – بالإضافة لمدراء التدقيق- مع لجنة التدقيق مفتوحةً وبناءةً من ناحية ومع الجهات الرقابية من ناحية أخرى علاقةً متعاونة تدعم تشارك المعلومات المتعلقة بتنفيذ مسؤوليات كل جانب منهم على حدى. ومع ذلك، في مثل هذه الحالات، من المهم أن يتم ذلك داخل إطار عمل الحوكمة المؤسسية الخاص بالمؤسسة، أي الإطار الذي أقره مجلس الإدارة وصادق عليه الملاك عند الضرورة.

ولما كانت جودة تنفيذ وظيفة التدقيق الداخلي لها تداعيات خطيرة على الشركة وعلى أصحاب المصلحة فيها، يجب أن يؤسس التدقيق الداخلي نظاماً لضمان وتحسين الجودة، وأن يحافظ على هذا النظام. وفي حالة إسناد التدقيق الداخلي إلى مورِّد خارجي، يجب أن يخضع عمل التدقيق الداخلي إلى برنامج ضمان الجودة مماثل للعمل الداخلي، ويجب أن تعرض نتائج عمل ضمان الجودة على لجنة التدقيق كل عام على الأقل لمراجعتها.

كما يجب أن يحافظ التدقيق الداخلي على مجموعةٍ محدثةٍ من السياسات والإجراءات ومقاييس الأداء والفاعلية للقيام بوظيفة التدقيق الداخلي. وينبغي أن يعمل التدقيق الداخلي باستمرار على تحسين تلك المجموعة الثابتة في ضوء التطورات في مجال المهنة. وبسبب تعقيد دور التدقيق الداخلي وأهميته، يُنصح أن تتم صياغة دوره في ميثاق للتدقيق الداخلي، تتم مراجعته سنوياً، وقد يجري طرفٌ ثالث هذه المراجعة، للتأكد من أنه يواكب أفضل الممارسات التي تشهد بدورها تطوراً مستمراً.

وختاماً، تجدر الإشارة إلى أن التدقيق الداخلي يعمل بوصفه خط دفاعٍ عن الشركة وأن فشله قد يؤدي إلى فشل المؤسسة ذاتها. ويوجد عامل مشتركٌ في كل فضائح حوكمة الشركات الحديثة التي ما زالت قيد التحقيق مثل موبايلي وتيسكو ألا وهو بيانات الأرقام المالية المنافية للواقع. وعليه، قد يقع على عاتق المدققين الداخليين مسؤولية إعلام لجان التدقيق بما هو مهم وبالأسئلة التي من المفترض أن تثيرها اللجان خلال اجتماعاتها. وعلى الصعيد التاريخي، عندما كان تركيز التدقيق الداخلي منصباً على مراقبة العمليات التجارية وسير العمليات ووظائف الرقابة الداخلية، كان يفحص ما إذا كانت الرقابة الداخلية تتم أم لا وما إذا كانت الإجراءات متبعة أم لا، ثم يتم رفع تقرير إما بالإيجاب أو بالسلب. في حين لا ينصب تركيز التدقيق الداخلي على ما إذا كانت هناك رقابة أم لا، بل على ما إذا كانت الرقابة صحيحة وتؤدى بشكلٍ صحيح وبتكلفةٍ مناسبة. ويجب أن يكون نشاط التدقيق الداخلي، وبالطبع لجان التدقيق، ذات نظره إلى المستقبل أكثر من النظر إلى الماضي.

المراجع:

١.

https://na.theiia.org/standards-guidance/mandatory-guidance/Pages/Definition-of-Internal-

Auditing.aspx

الدكتور أشرف جمال هو الرئيس التنفيذي لمعهد حوكمة.