إعداد: فادي أبو زهري

تحرير: أندرو كوكس

shutterstock_225772180

اقتصر تعريف الجريمة منذ العصور الوسطى على أنواع الجرائم المُرتكبة في العالم المادي. وعلى شاكلة مماثلة، تُعرِّف النظريات التي تهدف إلى تفسير الجريمة؛ بما في ذلك نظرية الصراع ونظرية السيطرة الاجتماعية وما إلى ذلك، الجريمة في حدود العالم المادي. كما تقتصر الاستراتيجيات الهادفة إلى التعامل مع الأنشطة الجنائية نطاقها على تعريف الجريمة في إطار العالم المادي. ومع ذلك، كشف النمو في نظم وتقنيات المعلومات والاتصالات ووسائط الإعلام والترابط الإلكتروني المتزايد الذي يُسهّله الإنترنت عن نوع جديد وفريد من الجرائم: الجرائم الرقمية العالمية؛ حيث تنطوي هذه الأنواع من الجرائم على تحدياتٍ عديدة تشمل الحواجز القانونية والجغرافية وشبكة الإنترنت، فضلاً عن انعدام الهوية في الإنترنت. كما تفرض البيئة التي تحدث بها هذه الجرائم أيضًا تحديات على المتخصصين في مكافحة الجريمة. وقد خلقت هذه التحديات الحاجة إلى تحديد الأساليب المُستخدمة في مكافحة الجرائم المرتكبة في العالم المادي، مثل التصنيف الجنائي وتعديلها بُغية جعلها قابلة للتطبيق على الجرائم الإلكترونية. وتناقش هذه الورقة إمكانية اختراق هذه الحواجز عن طريق تطبيق النسخة المُعدلة من أساليب التصنيف الجنائي على الجرائم الإلكترونية.

اتسع مفهوم الجريمة ليتجاوز العالم المادي ويشمل العالم الرقمي العالمي.

تصنيف مجرمي الإنترنت

منذ سبعينيات القرن العشرين، يساعد الخبراء من وحدة العلوم السلوكية (BSU) بمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف-بي-آي) وكالات تنفيذ القانون الفيدرالية والدولية والمحلية في التحقيق في جرائم العنف. وقد بدأت هذه الممارسة من خلال أداة تصنيف الجاني، لفهم الشخصية والصفات السلوكية لمرتكبي الجرائم، حيث بدأت هذه الممارسة باعتبارها أسلوب تحليلي لتحديد صفات الجاني، استنادًا إلى فحص مسارح الجريمة وديناميات الجريمة، واستمر تطورها على مدار الأعوام بوصفها أداة تساعد المحققين في تضييق دائرة المشتبه بهم (أليسون وآخرون، 2010). وتتوافر أداة تصنيف الجاني بوحدة العلوم السلوكية باعتبارها أداة تحليلية ونتاج للبرامج التدريبية.

وغالبًا ما يستخدم علماء النفس الشرعيون التصنيف الاستنتاجي أو الاستقرائي عند تعاملهم مع الجرائم المرتكبة في العالم المادي، مع تطبيق هذه الأساليب للتأكد من صفات المجرمين. وتشمل أساليب التصنيف الاستنتاجي استخدام البيانات، بما في ذلك أدلة مسرح الجريمة وأدلة الطب الشرعي وصفات الجاني وعلم الضحايا. وفي التصنيف الاستنتاجي، تتم معالجة المعلومات المتاحة بتطبيق الخبرات الشخصية، مع افتراض المُصنّف لواقعة واحدة او أكثر من وقائع القضية باعتبارها أدلة بديهية على الجاني أو الجريمة. وبعد ذلك، يتوصل المُصنّف إلى النتائج بعد اتباعه لحدسه الباطني وخبراته الشخصية. وتعتمد “صحة” الوقائع أو النتائج التي تم التوصل إليها باستخدام التصنيف الاستنتاجي على الحقيقة (مثال: الحقيقة المشروطة). وعلاوةً على ذلك، تُعتبر النتائج في طريقة التصنيف الاستنتاجي صحيحة إذا كانت الافتراضات والمقدمات المنطقية صحيحة وقانونية. ومن ناحيةٍ أخرى، تنشأ الأنماط الجنائية الاستقرائية عن طريق دراسة البيانات الإحصائية، بما في ذلك الخصائص الديموغرافية والأنماط السلوكية التي يتشاركها المجرمون. كما يُعد التصنيف الاستقرائي قائمًا على النظريات ويعتمد على الحالات المتاحة من الجرائم. ويعتمد التصنيف الاستقرائي على المعلومات المُجمعة من المقابلات مع الجنائيين ويشكل هذا الأساس الخاص بأنماط المحققين. وينطوي التصنيف الاستقرائي أيضًا على الافتراضات (التعريفات العملية الرسمية) الخاصة باختبار البيانات وترميزها للسماح بإجراء تحليلات إحصائية.

تُعد إمكانية تطبيق هذه الأساليب متاحة في الجرائم المُرتكبة في العالم المادي. ومع ذلك، لا تزال إمكانية تطبيق هذه الأساليب في التعامل مع الجرائم المُرتكبة في العالم الرقمي محل خلاف. ويُقال أن التصنيف الجنائي علمًا غير ناضجًا ولكنه واعدًا. وقد يُفسر ذلك على أنه تم منح اهتمامًا أقل لهذه الأساليب من جانب الأكاديميين والممارسين على حد سواء. وفي العالم الرقمي، يتمتع علماء النفس الشرعيون بمعرفة القانون وعلم الجريمة وعلم النفس. ويمكن استخدام هذا في فهم النواحي التقنية المتعلقة بالجريمة بصورة أفضل، بغية تطوير أنماط مجرمي الإنترنت. وعلى هذا النحو، يجب عليهم اتباع نهج متعدد التخصصات عند التعامل مع الجرائم الإلكترونية. ولسوء الحظ، تعقد القضايا البارزة الخاصة بالانقياد والجغرافيا والقانون وعدم الكشف عن الهوية مهمة علماء النفس الشرعيين عند تجميعهم للمعلومات الخاصة بالمجرمين والجرائم الإلكترونية (تومبسيت، مارشال، و سيمنز، 2005). ومجددًا، تحدث معظم الجرائم الإلكترونية دون ملاحظتها أو الإبلاغ عنها، وبالتالي تمر دون عقاب. والأهم من ذلك، من الممكن رسم بعض الخطوط المتوازية بين الجرائم الإلكترونية والجرائم غير الإلكترونية. ومن الممكن أيضًا تطوير النمط من الأساليب الحالية التي يمكن استخدامها في تنفيذ القانون.

تُرتكب معظم الجرائم الإلكترونية دون ملاحظتها أو الإبلاغ عنها وبالتالي تمر دون عقاب.

 

 

أساليب التصنيف

من منظور أساليب التصنيف الاستقرائي، يجب تطوير النمط الجنائي الإلكتروني باستخدام عملية مكونة من أربع خطوات. الخطوة الأولى هي علم الضحايا. في الوقت الحالي، يحتال المجرمون على المؤسسات والأفراد على حد سواء. وتشمل هذه الخطوة فهم المواطن المميزة التي تجتذب المجرمين الإلكترونيين إلى هذه المؤسسات والأفراد. ويساعد علم الضحايا متخصصي الأمن في فهم الدوافع التي تبعث الجاني على ارتكاب الجريمة. ويشمل علم الجريمة ما يلي:

  • جرائم ذات دوافع سياسية (مثال: الإرهابيين الإلكترونيين).
  • جرائم ذات دوافع عاطفية (مثال: الملاحقة الإلكترونية).
  • الجرائم المرتكبة وقائمة على دوافع جنسية (مثال: الغلمانية “بيدوفيليا”).
  • الجرائم المعروفة بأنها أقل خطرًا، مثل مشاركة البرامج بين الأفراد أو مشاركة الأفلام المحمية بحقوق الطبع والنشر (شيندر، 2010).

الخطوة الثانية هي تحديد الدافع – ما سبب ارتكاب الجريمة؟

يقودنا علم الضحايا وتحديد الدافع إلى الخطوة الثالثة وهي – تحديد صفات الجاني. هناك العديد من الرموز والأساليب التي تصنف المجرمين الإلكترونيين استنادًا إلى دوافع الجاني التي تم تقديمها (روجرز، 2006). ومع ذلك، تتطلب التغييرات في السلوك الجنائي، في ظل البيئة التكنولوجية المتطورة، إجراء تعديلات في الخطط الحالية. وأشارت بعض الدراسات الأخرى إلى أن الجريمة قد تتسم بالإدمان، وفي العالم الإلكتروني، يُصبح المجرمون مدمنين على استخدام الإنترنت والحواسيب (نيكوديم إي أل، 2008). ويُقال أيضًا أن هذا الإدمان، الذي تعززه العديد من الفرص؛ بما في ذلك سهولة الوصول للإنترنت والحواسيب وتوافرها، وتدعمه الدوافع الجنائية، قد يُسهّل من تشكيل مجرمي إنترنت. ويمكن استخدام هذا المفهوم في تحليل أسلوب عمل مجرمي الإنترنت.

يعكس أسلوب العمل صفات المجرمين (إيكيويز، 2011). فعلى سبيل المثال، قد يُدمر مجرم الإنترنت المعلومات باستخدام فيروس مرتبط بالبريد الإلكتروني، بينما قد يخترق مجرم آخر نظام الحاسوب عن طريق مهاجمة الخادم لسرقة المعلومات. ويُشير هذا إلى أن الخبرة الفنية للفرد تساعده على فهم سلوك مجرم الإنترنت. وقد يتطلب الأمر من مجرم الإنترنت تمتعه بمستوى من الكفاءة الفنية لكي يخترق بنجاح الشبكة الآمنة والمطورة (كيروان آند باور، 2013). ومن ناحية أخرى، قد يستخدم قرصان الإنترنت المبتدئ برنامج مطور مسبقاً لمهاجمة نظام الحاسوب. ومن الجدير بالذكر أنه لا يمكن تجاهل العوامل البشرية، مثل مهارات الهندسة الاجتماعية التي يمتلكها بعض مجرمي الإنترنت المحترفين. ويرجع ذلك إلى أن مجرمي الإنترنت ذوي المهارات الفنية المتوسطة يمكنهم المشاركة في ارتكاب أي جريمة عن طريق استخدام الأساليب البسيطة للتلاعب النفسي الماكر والإقناع الودي. ويؤكد كتاب كيروان آند باور   Kirwan and Power (2013)  أن المهارات الفنية وغيرها من المهارات الأخرى مثل المهارات والدوافع الاجتماعية تُحدد أسلوب عمل المجرم الإلكتروني.

تنطوي الخطوة الرابعة لأسلوب التصنيف الإلكتروني الاستنتاجي على تحليل الدليل الرقمي بشكل جنائي. يحتل التحليل الجنائي الرقمي أهمية كبرى، لأنه الوسيلة التي يمكن من خلالها لمصنّف مجرمي الإنترنت تتبع الجاني في حالة عدم وجود أدلة مادية (كوان، راي أند ستيفنز، 2008). ومن وجهة نظر ليكوييتز (2011)، لا يمكن تتبع جميع المجرمين حيث ينجح واحد من ثلاثة من مجرمي الإنترنت في حذف أو تعديل سجلات الاحداث الالكترونية عن طريق مسح آثار البصمات الرقمية التي يمكن تتبعها. ويمثل النهج المقترح المكون من أربع خطوات عملية تكرارية. ويمكن الكشف عن معلومات جديدة بشأن الجاني والدافع والضحية والأدلة الجنائية أثناء فترة التحقيق.

أما فيما يتعلق بطرق التصنيف الاستقرائي، فيمكن تطبيقها جنبًا إلى جنب مع الأساليب الاستنتاجية المذكورة أعلاه، للمساعدة في التعامل مع الجرائم الإلكترونية. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام التحليل الاحصائي للبيانات التي تبحث في الخصائص الديموغرافية والأنماط السلوكية التي يتقاسمها المجرمون، وانتهاكات الأمن الإلكتروني، لتحديد اتجاهات الهجوم الإجرامي مثل دوافع الهجوم ونوع الضحايا الذين يرجح استهدافهم، وطرق الهجوم الأكثر شيوعًا التي يستخدمها مجرمو الإنترنت. وقد يساعد ذلك في التعرف على الجناة ذو الجرائم المتسلسلة، وحالات أخرى لها طرق عمل مماثلة.

يشتمل النهج رباعي الخطوات على ما يلي:

  • علم الضحايا.
  • تحديد الدوافع.
  • تحديد خصائص الجاني.
  • تحليل الأدلة الرقمية جنائيًا.

 

 

الخاتمة:

 

تستحق الأساليب والأدوات التي تمت مناقشتها في هذه الورقة التجريب في السيناريوهات العملية. ويعتقد أنه إذا تم استخدام تصنيف مجرمي الإنترنت على نحو فعّال، فإن مسألة الجريمة الإلكترونية قد تنخفض حيث يمكن تقديم المزيد من الجناة إلى العدالة. وبالنظر إلى الاتجاه الحالي لارتفاع معدلات الجرائم الإلكترونية، سيكون من الأهمية بمكان للأكاديميين والممارسين أن يكونوا يدًا واحدة. وقد تكون هذه الممارسات مفيدة للموظفين المسؤولين عن تطبيق القانون، إذ قد تساعدهم على جمع أدلة ملزمة وسارية قانونًيا من أجل اتخاذ التدابير المناسبة ضد مجرمي الإنترنت هؤلاء.

تصنيف مجرمي الإنترنت هي أداة قادرة على جلب المزيد من الجناة إلى العدالة.