إعداد: سلوبودان ديميتروفسكي


frosting

عبر وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة اليوم ، نشرت إحدى شركات الاستشارات الكُبرى تقريرا حول التدقيق الداخلي– حيث أشار التقرير إلى أن هناك من بدؤوا باستهداف مهنتنا والالتفاف حولها كأسماك القرش التي تشتم رائحة الدم ، وعلى ما يبدو بأنهم أعدوا ما سيكتبونه على شاهد القبر الخاص بها . كما أن جميعهم يدعي بأن لديه الحل “لإصلاح وتقويم” التدقيق الداخلي. أعتقد بأن هنالك فخ منصوب ، حيث إنهم سيجعلونك تدفع مقابل المشاكل التي يعتقدون بأنك تعاني منها.

 هل قُضي علينا كمهنة؟ وهل نحن في أزمة فعليًا؟ في نهاية المطاف، هنالك كيان عالمي للتدقيق الداخلي يمكنه قياس هذه الأمور من أجلنا، ولن يلقي باللوم علينا في هذا الشأن. فنحن كجميع المهن، نتطور ونتكيف، لكننا أبعد ما نكون عن الزوال.

قال لي رجل حكيم ذات مرة – ابحث عن المال . من هو الرابح الوحيد مما يحدث الآن؟ ما هي الدوافع التي تحرك هذا المثلث؟ لا أود أن أتمادى وأطلق عليه مثلث الاحتيال، ولكن يبدو أن هناك من يطمع بكسب المال من هذا الأمر…

إذا كان لديك القليل من سعة الصدر وقررت متابعة قراءة الفقرات الثلاث القادمة، فسوف أتوصل من هذه المناقشة إلى استنتاج ما.

أتذكر إحدى المقالات التي نُشرت والتي كانت تؤكد على انعدام العلاقة بين اللقاحات والتوحد لدى الأطفال، واستخدمت المقالة في ذلك الوقت للترويج للقاحات وتفنيد المخاوف المتعلقة بتعاطيها. وبما أنني كنت على علم بأشخاص أُصيب أطفالهم بالتوحد بعيد تناول اللقاح المثير للجدل، فقد قررت النقر على رابط التقرير وقراءته بصورة كاملة. كان تقريرًا طويلاً، ولكن تسنى لي الوقت لقراءته كاملاً . وقد جذب انتباهي جملة كانت مكتوبة بالقرب من نهاية التقرير تدل على عدم الموضوعية / تعارض المصالح: “يعمل الأطباء س وص وع لصالح شركة أدوية أ ب ج”.

نعم نعم نعم … وقلت لنفسي: يا له من أمر مثير للاهتمام، لم لا ابحث عن الشركة على الإنترنت. وبالفعل وجدت بأن أ ب ج مملوكة لمجموعة س ص ع، ومن ثم بحثت عن س ص ع على جوجل… وفي النهاية، تبيّن لي بأنها قامت بدفع مئات الملايين من الدولارات لتسوية الكثير من المشاكل بعيدًا عن المحاكم، وإغلاق العديد من المطالبات والدعاوى القانونية المرفوعة ضدها، ناهيكم عن قضايا تضليل الرأي العام التي تناقلتها وسائل الإعلام.

ولذا، قلت لنفسي: “هل يمكنني الوثوق في هذه الشركة على الرغم من تاريخها المظلم؟”، لقد كان لدى مجموعة س ص ع كل الوسائل الممكنة لتحقيق المكاسب من خلال التقارير الإيجابية، ناهيكم عن المتخصصين الموضوعين على قائمة رواتبها والذين كانوا يحررون من أجلها هذه التقارير (من خلال شركة أ ب ج، خطوة ذكية فعلاً ). لقد تم كشف تضليلهم للرأي العام بالفعل، ولكن هل تغير أي شيء حتى الآن؟ ماذا عن الأشخاص الذين أعرفهم ممن يعانون من العواقب؟ لم قد يكذبون علي؟ وماذا يمثلون بالنسبة لمجموعة س ص ع؟ لا بد أن  هنالك خطأ إحصائي في البيانات،. ولكن حتى لو كانت نسبة من يعانى 1 %  فقط، فهل يضفي ذلك على المشكلة صفة الأخلاقية ؟ هل يمكن أن تسوي شركة ما نفسها بالإله؟ وهل يمكن لها أن تقرر التأثير سلبًا على حياة الألاف، لأن أدويتها هي “جيدة كفاية”؟ وماذا أيضاً عن الطبيب الذي يصف العلاج الكيميائي لأشخاص ليس لديهم سرطان؟ هو حتمًا يستفيد ماليًا من تدمير حياة الناس. مع أن الناس يثقون في الأطباء بصورة افتراضية… وفي الاستشاريين كذلك…

لنعد مرة أخرى إلى نقاشنا المتعلق بنهاية زمن التدقيق الداخلي … وكما قلت مسبقًا ، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أن إغواء النقر على زر الماوس هو كل شيء، حيث تُباع المعلومات الحساسة  ويغدو الجميع خبراء بين ليلة وضحاها. ولا أحد يستمع إلى صوت المهنة الحقيقي ، وهو جمعية المدققين الداخليّين (IIA).

ولنفترض، على سبيل الجدل، بأن شركة ما قد أنفقت مليارات الدولارات لتسوية مشاكلها بعيداً عن القضاء و المحاكم، وتخيل بأنك تقرأ مقالة حديثة في الأخبار عن هذه الشركة. تخيل أيضًا بأنهم يخبرونك عن تعرض مهنتك للاضمحلال والخطر ، وأن بإمكانهم مساعدتك. ما عليك سوى استخدام “الحبوب السحرية” خاصتهم على نفقتك الخاصة.

عندئذٍ يمكنك إما ابتلاع الطعم… أو الاستماع إلى ما تقوله المهنة في هذا الشأن. اقرأ التقارير والمنشورات والمدونات وشبكة المؤتمرات الخاصة بجمعية المدققين الداخليّين، وكوّن رؤية أعمق من خلال زملائك وتجاربك . غادر صومعتك، وتفاعل مع الأطراف المعنية. اكتشف ما الذي يؤرقهم؟ لم هم بحاجة إلى مساعدتنا؟ كن مدققًا داخليًا فعالاً واختلط بالموظفين لتشعر بهم وتتفهم مخاوفهم.

ولا يعني ذلك بأنني أقر بمثالية مهنة التدقيق الداخلي ، من جانب آخر . هل التدقيق الخارجي مثالي؟ ألم يكن هناك عدد من الفضائح في الماضي؟ وما هو مستوى رضا متعامليهم ؟ لا يمكنني سوى افتراض الأفضل، حيث أن الشركات تدفع الأموال مقابل التقرير، ولم أرى بعد تقرير تدقيق خارجي سلبي. يا للأشياء التي شاهدتها! عمومًا هذا موضوع مختلف تماماً ، ولكن علي أن أتناول هذه الأخلاقيات في وقت آخر.

أنا الآن استشاري، وقد عبرت إلى الجانب الآخر من النهر، كما أنني تعمقت كثيرًا في النقد حتى الآن في هذا المقال. ولكن ثمة أمر واحد لم أحلم بحدوثه  مطلقًا ، ألا وهو اختلاق مشكلة ما لأحد المتعاملين وإجباره على اللجوء إلي لحلها. ولمّا كان لزامًا على المدققين الداخليّين بذل قصارى جهدهم كي يكونوا استشاريين موثوقين – وإيصال ذلك إلى أي مدير خسر ترقية  أو وظيفة أو تعرض لعقوبة نتيجة لبعض إفصاحات التدقيق الداخلي ، والذي يُحتمل العثور على رأيه في استطلاع ما – فإن الحال هي نفسها بالنسبة للاستشاريين. إذا كنت تريدني أن أقوم بتوظيفك، فمن الأفضل أن نقف على نفس المستوى، وعليك التقصي عن موضوعات لا يمكنها أن تجلب إليك عائدات إضافية أو توسعات سوقية . وفي حال تعذر عليك القيام بذلك، قم على الأقل بتوظيف جمعية المدققين الداخليّين للتحقق من صحة البحث الذي أجريته لصالح مهنتهم . إنك مدين لنا بهذا القدر، ففي نهاية المطاف، أنت تقدم خدمات تدقيق داخلي للمتعاملين بنفسك.

بالنسبة للمدققين الداخليّين، لدينا الكثير من العمل للقيام به:

 

  • توعية وتثقيف أعضاء مجلس الإدارة والمديرين والأهم من ذلك الطلاب حول ماهية التدقيق الداخلي. لأنه إذا كنت تتوقع الحصول على بشرة صحية من جرّاح عمود فقري، عندئذِ لا يمكنك لومه بسبب الفجوة بين توقعاتك والواقع.
  • تثقيف العاملين في مجال توظيف واستقطاب الموارد البشرية– ما هو عدد المناصب الشاغرة المتاحة حيث يُتوقع أن يكون المدقق الداخلي إما محاسبًا عامًا معتمدًا (CPA) أو محاسبًا قانونيًا معتمدًا (ACCA)؟ وما هو عدد الهياكل التنظيمية حيث يتم تقديم  تقارير التدقيق الداخلي إلى المدير المالي؟ وهل يُشترط أن يكون المُرشح عضوًا في جمعية المدققين الداخليّين ؟ وهل ستعيّن محاميًا ليس جزءًا من الدائرة القضائية؟
  • تثقيف السياسيين والهيئات التشريعية – ما هو عدد القوانين المعنية بالتدقيق الداخلي والتي تتجاهل تمامًا جمعية المدققين الداخليّين، وربما تميل إلى دعم تعيين المدققين الخارجيين في المناصب المتعلقة بالتدقيق الداخلي؟ وأتحدث هنا عن الأسواق النامية، أي الدول حيث يُنظر إلى المهنة على أنها جديدة بشكل نسبي.
  • تثقيف المدققين الداخليّين – حثهم على الاختلاط بمتعامليهم ، وتفهم مشاعرهم، وتوطيد العلاقة بهم؛ فأنت لست ضابط شرطة هدفه أن يضعهم جميعًا في السجن.
  • طبّق ميثاق قواعد السلوك بحذافيره، فهناك بعض التفاح الفاسد في السلة بالتأكيد، وقد شهدت القليل منهم بالفعل أثناء عملي.

لكن لا داعي لليأس أو الإحباط، فهذا تطور مهني طبيعي.

وبصراحة، لو سألني أحدهم عن مهنتنا، فسأخبره بأننا نقوم بعمل رائع. إننا نضطلع بالمهام، وندير التوقعات، ونتحقق من الاحتيال، ونساعد الشركات على تطوير عملياتها وإدارة المخاطر والحوكمة وتوفير الكثير من الأموال، عندما نكون جزءًا منها،. وفيما يتعلق بإدارة العلاقات مع المتعاملين،  يمكنني الإضافة والقول بالتعريف الدقيق بأن الأشخاص بطبيعتهم لا يحبذون الخضوع للتدقيق، مع الأخذ في الاعتبار بأننا على النقيض من المدققين الخارجيين لا  نعتمد أسلوب “اضرب واهرب” مرة واحدة في العام، إذ أننا لا نبارح أمكاننا، ونظل لنواجه التداعيات الناجمة عن عملنا في هذا الشأن. هل يتم الضغط علينا لتغيير النتائج؟ – نعم! بالطبع . فهذا أمر طبيعي في عملنا ، حتى أن بعض الأشخاص ينتقدون مهنتنا على الإنترنت . مع العلم بأننا لسنا من يمارس الضغوط، وإنما نقف راسخين فوق أرضنا غير عابئين بما يحدث حتى وإن خسرنا وظائفنا . لأنه يمكنك الحصول على وظيفة جديدة إن خسرت واحدة، ولكن لا يمكنك استعادة نزاهتك إن خسرتها.

وبطبيعة الحال، المدقق الداخلي هو شخص يُفضل العمل في الخلفية، ويبحث في الأوراق والعقود والوثائق التي لا يرغب أحد في قراءتها. من جهة أخرى، هو ليس ذلك الشخص الذي يتباهى بإنجازاته، ولذا نتعرض في الأغلب إلى هذه النظرة التي هي أبعد ما تكون عن الحقيقة، وهي أن مهنتنا في خطر أو أنها ليست على المسار الصحيح. وهو ما يصدر غالبًا عن مصادر خارجية.

ولا يعني ذلك بأنه ليست لدينا قصص نسردها عن “معاركنا”. إذ ربما حققنا وفورات تُغطي ميزانية التدقيق الداخلي للسنوات المائة القادمة أو نحو ذلك، وربما إكتشفنا  بعض أكبر ممارسات الاحتيال، وربما نبهنا مجلس الإدارة إلى بعض المخاطر الكبرى التي تبلورت فيما بعد تمامًا كما تنبأنا بها. وربما ساعدنا في تنفيذ تحسينات جديدة من خلال مشاركاتنا الاستشارية.

وفي هذا الصدد، يتطلب من جمعية المدققين الداخليّين إيجاد طريقة ما لتسليط الضوء على بعض من الإنجازات الهائلة التي يحققها زملاؤنا لدى قيامهم بأعمالهم مع الأخذ بعين الإعتبار الحفاظ على سرية المعلومات الحساسة.